فحولة الشعراء     ( من قبل 1 أعضاء ) قيّم
بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي1 : قال أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجزي2 : سمعت الأصمعي عبد الملك بن قريب غير مرة يفضل النابغة الذبياني على سائر شعراء الجاهلية، وسألته آخر ما سألته قبيل موته من أول الفحول ? قال : النابغة الذبياني، ثم قال : ما أرى في الدنيا لأحد مثل قول امرئ القيس : وقاهُمْ جَدُّهم بِبَني أَبِيهِمْ ... وبالأَشْقَيْنَ ما كان العِقَاب قال أبو حاتم : فلما رآني أكتب كلامه فكر ثم قال بل أولهم كلهم في الجودة امرؤ القيس له الحظوة والسبق وكلهم أخذوا من قوله واتبعوا مذهبه وكأنه جعل النابغة الذبياني من الفحول . قال أبو حاتم : قلت : ما معنى الفحل ? قال : يريد أن له مزية على غيره كمزية الفحل على الحقاق، قال : وبيت جرير يدلك على هذا : وابنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ... لم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعيسِ قال أبو حاتم : وسأله رجل : أي الناس طرا أشعر ? قال النابغة، قال تقدم عليه أحدا ? قال : لا، ولا أدركت العلماء بالشعر يفضلون عليه أحدا . قلت فزهير بن أبي سلمى ? قد اختلف فيه وفيهما، ثم قال لا . قال أبو عمرو : وسأله رجل وأنا أسمع : النابغة أشعر أم زهير ? فقال : ما يصلح زهير أن يكون أجيرا للنابغة، قال : أوس بن حجر أشعر من زهير ولكن النابغة طأطأ منه، أو من يحسن : بجيش ترى منه الفضاء معضلا،.. في قافية . وقال النابغة : فجاء بمعناه في نصف بيت وزاد أشياء أُخر فقال : جيش يظل به الفضاء معضلا ... يدع الآكام كأنهن صحارى قال أبو حاتم : حدثنا الأصمعي قال : حدثنا شيخ من أهل نجد قال : كان طفيل الغنوي يسمى في الجاهلية محبراً لحسن شعره3، قال : وطفيل عندي في بعض شعره أشعر من امرئ القيس، الأصمعي يقوله، ثم قال : وقد أخذ طفيل من من امرئ القيس شيئا، قال : ويقال إن كثيرا من شعر امرئ القيس لصعاليك كانوا معه، قال : وكان عمرو بن قمئة دخل معه الروم إلى قيصر، قال : وكان معاوية بن أبي سفيان يقول : ادعوا لي طفيلا فإن شعره أشبه بشعر الأولين من زهير وهو فحل4، ثم قال : من العجب أن النابغة الذبياني لم ينعث فرسا قط بشيء إلا قوله : ... صُفْراً مَناخِرُها من الجَرْجارِ5 قال : ولم يكن النابغة وأوس وزهير يحسنون صفة الخيل، ولكن طفيل الخيل6 في غاية النعت وهو فحل، ثم أنشد له : يُرادَ على فأْسِ اللِّجام كأَنما ... يُرادَ به مِرْقاةُ جِذْعٍ مُشَذَّب قال والنابغة الجعدي فحل . قوله : يُرادَ على فأْسِ اللِّجام، تقول : راودته على كذا أي حاولته عليه، ويقال : أردته أيضا، وإنما يصف عنقه، وهو جيد الصفة للخيل جدا ثم أنشد : ... يشد الشؤون أو أراد اليزفرا وقد أحسن في قصيدته التي يقول فيها : تلك المكارمُ لا قَعْبَانِ من لَبنٍ ... شِيبَا بماءٍ فعادَا بعدُ أبْوالا قلت ما مذهبه في ذا فإن هذا البيت يدخل في شعر غيره، قال : لما قال سوار بن الحيا القشيري : ومنا ناشدُ رجله، ومنا الذي أسر حاجيا، ومنا الذي سقى اللبن . قال النابغة حينئذ : تلك المكارمُ لا قَعْبَانِ من لَبنٍ . قال الأصمعي : لو كانت هذه القصيدة للنابغة الأكبر بلغت كل مبلغ . قلت : فالأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة ? قال : ليس بفحل . قلت : فعلقمة بن عبدة ? قال : فحل . قلت : فالحارث بن حلزة ? قال : فحل . قلت : فعمرو بن كلثوم ? قال : ليس بفحل . قلت : فالمسيب بن علس ? قال : فحل . قلت : فعدي بن زيد أفحل هو ? قال : ليس بفحل ولا أنثى . قال أبو حاتم : وإنما سألته لأني سمعت ابن مناذر لا يقدم عليه أحدا . قلت : فحسان بن ثابت ? قال : فحل . قلت : فقيس بن الخطيم ? قال : فحل . قلت : فالمرقشان ? قال : فحلان . قلت : فابن قمئة ? قال : فحل . قال : هو قمئة بن سعد بن مالك وكنيته أبو يزيد . قلت : فأبو زبيد ? قال : ليس بفحل . قلت : فالشماخ ? قال : فحل، قال الأصمعي : وأخبرني من رأى قبر الشماخ بأرمينية، قلت : فمزرد أخوه ? قال : ليس بدون الشماخ، ولكنه أفسد شعره بما يهجو الناس، قال وأخبرني الأصمعي قبل هذا أن أهل الكوفة لا يقدمون على الأعشى أحدا، قال : وكان خلف لا يقدم عليه أحدا . قال أبو حاتم : لأنه قد قال في كل عروض، وركب كل قافية . قلت : فعروة بن الورد ? قال : شاعر كريم، وليس بفحل . قلت : فالجويدرة7? قال : لو قال مثل قصيدته خمس قصائد كان فحلا . قلت : فمُهلهِل : قال : ليس بفحل، ولو كان قال مثل قوله : أَلَيْلَتَنا بِذِي حُسَمٍ أَنيرِي8... كان أفحلهم . قال : وأكثر شعره محمول عليه . قلت : فأبوداود9 ? قال : صالح، ولم يقل إنه فحل . قلت : فالراعي ? قال : ليس بفحل . قلت : فابن مقبل ? قال : ليس بفحل . قال أبو حاتم : سألت الأصمعي، من أشعر الراعي أو ابن مقبل ? قال : ما أقربهما، قلت : لا يقنعنا هذا، قال : الراعي أشبه شعرا بالقديم، وبالأول . قلت : فابن أحمر الباهلي ? قال : قال : ليس بفحل، ولكن دون هؤلاء، وفوق طبقته، وأرى أن مالك بن حريم الهمدانيّ من الفحول . قال : ولو قال ثعلبة بن صعير المازني مثل قصيدته خمسا كان فحلا . قلت : فكعب بن جعيل ? قال : أظنه من الفحول، ولا أستيقنه . قلت : فجرير والفرزدق والأخطل ? قال : هؤلاء لو كانوا في الجاهلية كان لهم شأن، ولا أقول فيهم شيئا لأنهم إسلاميون . قال أبو حاتم : وكنت أسمعه يفضل جريرا على الفرزدق كثيرا، فقلت له يوم دخل عليه عصام بن الفيض : إني أريد أن أسألك عن شيء ولو أن عصاما يعلمه من قبلك لم أسألك، ثم قلت : سمعتك تفضل جريرا على الفرزدق غير مرة فما تقول فيهما وفي الأخطل ? فأطرق ساعة ثم أنشد بيتا من قصيدته : لَعَمْرِي لقد أَسْريتُ لا ليلَ عاجز ... بسَلْهَبَةِ الخَدَّيْنِ ضاويةِ القُرْب10 فأنشد أبياتا زهاء العشرة، ثم قال : من قال لك إن في الدنيا قال مثلها قبله ولا بعده فلا تصدقه . ثم قال : أبو عمرو بن العلاء كان يفضله، سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول : لو أدرك الأخطل من الجاهلية يوما واحدا ما قدمت عليه جاهليا ولا إسلاميا، ثم قال للأصمعي : أنشدت أبا عمرو بن العلاء شعرا فقال : ما يطيق هذا من الإسلاميين أحد، ولا الأخطل . قال أبو حاتم : وسألته عن الأغلب أفحل هو من الرجاز ? فقال : ليس بفحل ولا مفلح، وقال : أعياني شعره، وقال لي مرة ما أروي لأغلب إلا اثنتين ونصفا، قلت : كيف قلت نصفا ? قال أعرف له ثنتين، وكنت أروي نصفا من التي على القاف فطولها، ثم قال : كان ولده يزيدون في شعره حتى أفسدوه . |