البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : الفلسفة و علم النفس

 موضوع النقاش : ذكريات أيام المدرسة    قيّم
التقييم : التقييم :
( من قبل 2 أعضاء )
 محمد هشام 
22 - أبريل - 2007
لطالما تذكرت أيام المدرسة الجميلة والمتعبة , وتأثيراتها في أيامي التالية , ولطالما تذكرت أصدقاء كانوا معي ثم فقدتهم في دروب الحياة الطويلة , كل يوم مر في المدرسة كان يحمل مع العلم تكوين شخصياتنا , وتكوين اختياراتنا ومسيرتنا , أيام المرحلة الإبتدائية وما تحمله من بهجة , وأيام المرحلة الإعدادية والثانوية وما فيها من نضوج الشخصية والخيارات
تعالوا معي نتذكر , ونكتب عن تأثير تلك الأيام بحلوها , ومرها .. بآمالها وإحباطاتها
شاهد التعليقات الأخرى حول هذا الموضوع
أضف تعليقك
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
من الحرب    كن أول من يقيّم
 
إنَّه العام 1989، داخل غرفة الصفِّ، في مدرسة الحكمة، في إحدى ضواحي بيروت. دخلت المسؤولة عن القسم الابتدائيِّ وانفردت بالمعلِّمة خارج الصفِّ لدقيقة أو أقلَّ، لتعود المعلِّمة بعدها، وتطلب منَّا أن نوضِّبَ كتبنا، ونحملَ الحقائب.
خرجنا من الصفِّ، طُلِبَ ممَّن لديه أخوة أكبر منه في المدرسة أن ينتحيَ، فلم أفعل، لأنَّ أخوتي لا يدرسون معي، أنا وحيد في هذه المدرسة، لا جيران لي ولا أقاربَ فيها.
وبعد أن ذهب من لديه أخوة أكبر منه، عادت المسؤولة، وعلامات القلق تبدو على وجهها، لا أعرف لماذا، ولكنَّها تبدو قلقة، وكان الصمتُ، على غير عادة، سائدًا في الرواق، حيث ننتظر. همست المسؤولة للمعلِّمة شيئًا لم أفهمه، فطلت الآنسة ممَّن يسكن في الجوار أن ينزل إلى مدخل المدرسة، فلم أنزل، بيتنا بعيد، هذا ما قلتُه للمعلِّمة بعد أن بقيتُ مع ثلاثة من رفاقي في الرواق، ننتظر.
اللحظات تمرُّ، لا أعرف ما يحصل، لمَ المعلِّمة قلقة هكذا? لمَ غادر رفاقي? لمَ نسكن في مكان بعيد? أريد الذهاب! وأتت المسؤولة. أين تسكن? قالت لي مع تربيتة صغيرة على كتفي. هناك، في جسر الباشا، قلتُ. وجسر الباشا تبعد أكثر من ثلاثة كيلومترات عن المدرسة.
- هل لديكم هاتف في المنزل أم إنَّه معطَّل?
- لقد حفَّظني البابا رقم هاتف عمِّي الَّذي يسكن في البناية نفسها.
- تعالَ معي.
ونزلنا... نحن الخمسة، رفاقي الثلاثة، والمسؤولة، وأنا. فيما المعلِّمة لم أعرف ماذا فعلت، لم أرَها. وتحت، كان أهالي رفاقي الثلاثة في انتظارهم، وكانت المدرسة شبهَ فارغة إلاَّ من بضعة تلاميذ، وعمُّو جمال البوَّاب صديق البابا، والآنسة جيزال، عاملة الهاتف، والمسؤولة. وأعطيتُها رقم الهاتف الَّذي كنتُ سعيدًا جدًّا بحفظه. وبدأت المحاولات، ومن وقت إلى آخر يأتي والد ليصطحبَ ابنه، أو ابنته، أو تأتي والدة، لقد أتت الآن والدة هذا التلميذ الَّذي يبكي، وقالت له إنَّ والده ينتظر في السيَّارة، وغادرا. وبقيتُ وحدي...
لن أبكيَ، أنا أعرف أنَّ البابا لن يتركني، سوف يأتي لاصطحابي، وإذا تأخَّر، أبقى عند عمُّو جمال، كما علَّمني هو... ولكنَّ عمُّو جمال قلق، والآنسة جيزال أيضًا، والآنسة سعاد المسؤولة! لماذا تتهامسان? لماذا تنظر إلى الآنسة جيزال بقلق، ثمَّ تبتسم بحزن? عادت إلى الهاتف، حاولت مجدَّدًا، هذه المرَّة قالتها بصوتٍ عالٍ، لا أستطيع الاتِّصال، رقمه يبدأ بالأربعة، ولا نستطيع التقاط هذا الرقم من عين الرمَّانة. وعين الرمَّانة من صواحي بيروت، حيثُ تقع مدرستي، وهي آخر نقطة نستطيع الوصول إليها، وما بعدها قصف، وقنَّاصون، وبيننا وبينهم مقطورات عتيقة مدمَّرة تسدُّ الطريق، وتحمينا من عيون القنَّاصين. كم من طفل مات برصاصهم، كان الأطفال يلعبون داخل المقطورات، وأحيانًا تبقى جثثهم في الداخل أيَّامًا. هناك، على حائط الملعب، لوحة رخاميَّة، عليها اسم فتاة، ماتت برصاص قنَّاص، داخل ملعب مدرستنا هذه المرَّة، لم يكن أبي قد سجَّلني في هذ المدرسة يومها، ماتت منذ أربعة أعوام، في العام 1985. كنتُ يومها في مدرسة أخرى، قريبة من البيت، ولكنَّ والدي قال إنِّي تلميذ مجتهد، وهذه المدرسة الصغيرة جدًّا قرب البيت ليست جيِّدة، فنقلني إلى الحكمة. لستُ حزينًا لأنَّ المدرسة بعيدة، فهي أفضل من المدرسة الأخرى، وأكبر، والمعلِّمات لطيفات، والملعب واسع، ولكنَّ الركض فيها ممنوع، لا بأس، فإذا ركضتُ كثيرًا قد أقع وأحطِّم أسناني.
ولكنِّي أريد أبي، أريد أن يأخذني أبي إلى أمِّي، لماذا ذهب الجميع وما زلتُ وحدي هنا?
الآنسة جيزال ما زالت تحاول، سألتني مرَّة أخرى عن الرقم، فقلتُها لها، أذكر أنَّ أبي حفَّظني إيَّاه، وكتبه لي على ورقة، في السيَّارة، وكانت أختي في المقعد الأماميّ. حفظتُ الرقم جيِّدًا يومها، وقرأته مئات المرَّات، وكتبه لي أبي مجدَّدًا على المفكِّرة. أعطيتُ المفكِّرة إلى الآنسة جيزال لتتأكَّد من الرقم، إنَّه صحيح!
لماذا كثرت أصوات القذائف? كنَّا نسمعها دومًا، ولكنَّها الآن ازدادت! تعجَّبتُ حين سمعتُ الماما تقول يومًا: متى ستنتهي هذه الحرب?
وهل الحرب تنتهي? قلتُ في نفسي.
ومرَّ الوقت، والقلق يزداد على وجه الآنسة جيزال. ها هو ماريو، ابن عمُّو صبحي، صديقِ والدي. ما زال هنا، لم يغادر، كان يساعد الأولاد في المدخل الآخر، هذا ما أجابني به حين سألتُه. قال لي إنَّ الجميع قد غادر، وإنَّه كان قلقًا لأنَّ والدي لم يأتِ، ولكنَّه أتى الآن، بسيَّارته التكسي، إنَّه ينتظرني على المدخل الآخر، فركضتُ، وركض ماريو خلفي... ماريو كبير، لا يرتدي مريولاً، ويصعد مع الكبار إلى الطوابق العليا كلَّ صباح.
ركضتُ، وجدتُ والدي، كان متَّجهًا نحو المدخل الَّذي أنا فيه. قلتُ له إنَّ الآنسة جيزال لم تستطع الاتِّصال ببيت عمِّي، قال لا بأس، وذهب ليكلِّمها، وعدنا إلى سيَّارته التكسي.
لمحتُ دماءً على قميص أبيضَ كان على المقعد الخلفيِّ للسيَّارة، وسألتُ والدي: لمن هذا القميص? هل جرحتَ نفسكَ? لم يجب بدايةً، ثمَّ أخبرني أنَّه كان في الجديدة، ونقل جريحًا إلى المستشفى، وهذا قميصه. والجديدة من الصواحي الشماليَّة لبيروت، أو الشرقيَّة لا فرق، تبعد نحو خمسة كيلومترات أو ستَّة عن المدرسة.
الماما في البيت قلقة، حملتني بين ذراعيها، أبي لم يكن يحملني، فأنا كبير، وأمشي وحدي، عمري الآن ثماني سنوات، وأجيد الجمع والطرح والقواعد والإملاء، وأتكلَّم الفرنسيَّة أيضًا، أنا كبير، وأستطيع المشي وحدي، وقريبًا أستطيع العودة إلى البيت بالتكسي!
إنَّه صوتُ الراديو، موجز سريع للأخبار، تمَّ إعلان حرب التحرير ضدَّ السوريِّين.
متى سنعود إلى المدرسة? سألتُ أبي بعد يومين.
لا أعرف، ربَّما بعد يومين أو ثلاثة. وأعجبتني الفكرة، عطلة لثلاثة أيَّام جديدة.
وبعد سبعة أشهر، لم تكن العطلة قد انتهت بعد.
جوزف
23 - أبريل - 2007
أضف تعليقك